محمود ماضي

153

الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده

يقول الدكتور عماد الدين خليل « 1 » - فوضى فكرية ، وتصور مضطرب متهافت للدين ، لا هو بالمادى فيرفض الحقيقة الدينية ، ولا هو بالمؤمن فيعترف ببداهتها ومسلماتها . أما القصة المفتراة : فهي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما قرأ سورة النجم وقال : أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ( 19 ) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى أضاف : تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى ( 21 ) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى ( 22 ) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ [ النجم : 19 - 24 ] قيل : فلما ختم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم السورة سجد وسجد معه المسلمون والمشركون ، وجاء في بعض الروايات أن الشيطان ألقاها على لسانه ، وأن النبي كان قد تمنى ألا ينزل عليه شئ من الوحي يعيب آلهة المشركين لئلا ينفروا عنه . أثبتنا في غير هذا الموضع « 2 » أن عصمة الأنبياء واجبة حتى يؤخذ عنهم ، وأثبتنا - هنا - أن العلم المعجز يقع موقع التصديق لمدعى النبوة والرسالة ، جاريا مجرى قوله تعالى له : صدقت في أنك رسولي ومؤد عنى . فلا بد من أن يكون هذا المعجز مانعا من كذبه وافترائه على اللّه فيما يؤديه عنه لأنه تعالى لا يجوز أن يصدق الكذاب المفترى ، لأن تصديقه قبيح « 3 » . لذلك يقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين » فنفي صلّى اللّه عليه وسلّم عن جميع الأنبياء أن تكون لهم خائنة الأعين وهو أخف ما يكون من الذنوب ومن خلاف الظاهر للباطن ، فدخل في هذا جميع المعاصي صغيرها وكبيرها ، سرها وجهرها « 4 » . في ضوء هذا نرد هذا الافتراء على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : أولا : عبارة : تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى . تقع بين ذمين ، مما يمنع حملها على المدح . وإذا نظرنا إليها من جانب آخر نجد التناقض الواضح في هذا السياق ، فالغرانيق مدحت وذمت في ذات الوقت والجمع بين النقيضين فساد ، لا يعقله : لا المسلمون ولا المشركون وهم أصحاب الفصاحة والبلاغة . يقول صاحب الظلال : . . . وقد رفضت منذ الوهلة الأولى تلك الروايات جميعا . . .

--> ( 1 ) - المصدر السابق المستشرقون والسيرة . ( 2 ) - انظر : عصمة الأنبياء بين اليهودية والمسيحية والإسلام للمؤلف . ( 3 ) - القاضي عياض : الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 3 ص 124 . ( 4 ) - ابن حزم : الفصل ج 4 ص 22